تعريب عنونة المواقع الشبكية

أضيف بواسطة me في قسم تكنولوجيا

تشهد الشبكة العالمية يوماً بعد يوم نمواً متسارعاً في استخدام أبناء لغة الضاد لها، كما تشهد نمواً مطرداً في المحتوى العربي الذي يحتويه فضاؤها، ومع ذلك

فإن العرب مضطرون لكتابة أسماء مواقعهم بالحروف اللاتينية حتى اليوم، وهذا أمر له سلبيات كثيرة سنأتي على ذكرها، وقد شهدت الأوساط العربية في الماضي محاولات متعددة لتعريب هذه الأسماء، لم يكتب لأي منها النجاح، وهي تشهد اليوم محاولات جديدة نرجو أن تؤتي ثمارها، ويزداد أملنا في هذه المحاولات نظراً لأنها وصلت إلى رعاية جهة رسمية هي الجامعة العربية، بعد أن كادت تتولاها جهات غير عربية، لا تراعي لمعايير لغتنا شأناً ولا مكانة

لماذا الأسماء بالعربية؟
قد يبدو هذا السؤال غريباً لكثير من الناس لأنهم في ظننا لا يرتضون للغتهم بديلاً في أي مجال، ولكن توجد شريحة كبيرة وللأسف من أبناء جلدتنا قد يفضلون أن تبقى الأسماء أعجمية كما هي، لأن هذا في رأيهم أيسر وأسهل، وقد جرت العادة به ودرجوا عليه فما الداعي لتغييره؟
إن تعريب عنونة أسماء النطاقات هي في رأينا ضرورة قصوى، وقد تأخرنا فيها كثيراً، وعلينا الإسراع بها قدر المستطاع حتى لا تخرج الأمور من أيدينا، وسبب ذلك في رأينا مرده إلى ثلاثة مداخل، يكفي كل واحد منها بمفرده ليكون سبباً يدفعنا إلى تبني تعريب عنونة المواقع، الأول مدخل يتعلق بشخصية الأمة وهويتها وكيانها، فلا ينبغي لأمة تحترم نفسها ولغتها وتريد لأبنائها أن ينشؤوا على حب لغتهم ووطنهم، لا ينبغي لها أن تسمح باستعمال لغة الغير في أي مجال مهما كان إلا في حدود الضرورة وبشكل مؤقت ريثما توجد الحلول، فما بالك في مجال أصبح اليوم عصب الحضارة الحديثة ووسيلة الناس للتواصل، ودخل أو كاد يدخل كل مجال علمي أو اجتماعي أو تعليمي. والمدخل الثاني يتعلق بحرص أمتنا على التقدم والتطور ونشر الثقافة الإلكترونية بين أكبر عدد ممكن من أبنائها، بأسهل الطرق وأيسرها، ولا يتأتى ذلك إذا كان تعلم لغة أجنبية هو شرط من شروط استخدام عامة الناس للشبكة العالمية، لأن قصر استخدام هذه الشبكة على من يجيدون لغة أخرى، يخرج به شريحة واسعة من أبناء أمتنا من فئة المستخدمين للشبكة. والمدخل الثالث هو الصعوبات والالتباسات التي نعاني منها بسبب استخدامنا للحروف اللاتينية للتعبير عن أسماء المواقع العربية، ففي لغتنا حروف لا تستطيع الحروف اللاتينية أن تعبر عنها، مثل العين والغين والصاد والضاد والحاء، كما أن الحروف الصوتية اللاتينية غير متوافقة مع الحروف الصوتية العربية، ولا مع علامات التشكيل، وهذا يؤدي إلى عقبات ومشاكل كثيرة، فمثلاً، كيف يمكننا أن نعبر عن موقع الجامعة العربية؟ هل نكتب ترجمته باللغة الإنجليزية؟ أم هل نكتبه بلفظه العربي، لكن بحروف لاتينية؟ إن فعلنا الأولى، وقعنا في المحظورين الأولين ورسّخنا تبعيتنا، وإن فعلنا الثانية، كان الاسم معقداً ذا أحرف كثيرة، وغير معبر تماماً عن لفظه، ويحتاج إلى تلقينه لكاتبه حرفاً حرفاً، هذا إذا أمكن الاتفاق على طريقة تهجئته بالحروف اللاتينية أصلاً! وقد أدى هذا إلى ظهور بدعة جديدة كنا في غنى عنها لو أن تعريب الشبكة العالمية واكب تطورها ودخولها إلى بلادنا، ألا وهي بدعة استخدام بعض الأرقام للتعبير عن الحروف العربية التي لا يمكن التعبير عنها بحروف لاتينية، فكنا كالمستجير من الرمضاء بالنار. ولنتخيل معاً كم هو جميل أن نتمكن من تعريب أسماء النطاقات، حتى إذا ما أردنا أن نزور موقع الجامعة العربية، لم يكن علينا إلا أن ندخل كلمتي “الجامعة العربية” في شريط المتصفح ليأخذنا فوراً إلى الموقع المطلوب
قصص على الطريق
قصة تعريب العنونة على الشبكة طويلة وذات شجون، ونرجو أنها الآن في الطريق إلى النهاية، وقد مرت بمراحل عديدة واجتازت بلاداً شتى
قبل عدة سنوات شهدنا عدة محاولات لتطبيق العنونة العربية، ولكنها جميعاً لم تنجح لأنها حملت معها عوامل فشلها، فكلها كانت محاولات فردية لشركات تجارية طرحت حلولاً سريعة لا تستند إلى مرجعيات عربية، وكانت حلولها بعيدة عن المعيارية، فكانت مجرد الطريقة الحالية للعنونة مع وضع حروف عربية، وكلها تستند إلى وجود برامج يتم تركيبها على جهاز المستخدم. وبتعبير آخر فهي حلول جزئية لم تكن بالتنسيق مع أية جهة دولية من الجهات التي لها سلطة الموافقة على المعايير واعتمادها على الشبكة
بعد هذه المحاولات مرّت فترة ركود وترقّب، عملت فيها عدة أطراف لحل هذه المشكلة، لكن بوتيرة بطيئة، إلى أن تحرك الموضوع فجأة وبقوة بسبب مفاجأة غير سارة، دفعت الموضوع إلى واجهة الاهتمام من جديد، وحثت العاملين في هذا المجال على الإسراع قبل أن يخرج الموضوع من أيدي أبناء العربية. وما حدث، هو أننا عندما تقاعسنا عن خدمة لغتنا، سبقنا إلى ذلك غيرنا، فقامت مجموعة بولندية بنشر جدول محارف اللغة العربية، على الشبكة العالمية، ونشرتها في موقعي أهم هيئتين عالميتين هما
ICANN (www.icann.org) و
IANA (www.iana.org)
فحرك ذلك المهتمين العرب للتصدي لهذا الأمر، ومن بينهم “ورشة مهندسي المعلومات العرب”، أتاحت لآلاف العرب التعبير عن احتجاجهم الشديد على نشر جدول للحروف العربية من قبل جهة بولندية، وإرسال احتجاجهم عبر الموقع إلى الجهات المعنية، كما أجرت الورشة اتصالات عديدة مع عدة جهات عربية لتوحيد الموقف العربي، وكان من أهم ردود الأفعال رسالة احتجاج شديد وجهها السيد “خالد فتال” الرئيس والمدير التنفيذي للائتلاف الدولي لأسماء النطاقات غير الإنجليزية
MINC (www.minc.org)
وقد وجه السيد فتال رسالته إلى الهيئة البولندية وإلى جميع الهيئات العالمية المختصة، أوضح فيها خطورة هذا العمل الذي يعد سلباً لحق آخر من الحقوق العربية الخالصة، لأنه يفقدهم السيطرة على الأسماء التي يمكن أن تسجل بلغتهم، وتجعل من الممكن تسجيل أسماء مواقع تنافي حقوقهم الوطنية وما يتعلق بها من عادات وقيم ودين، لأن الهيئة البولندية لا تمثل العرب
هذه الجهود والاحتجاجات أثمرت عن رسالة أرسلها رئيس قسم أسماء النطاقات في الهيئة البولندية، اعتذر فيها للعرب عما قامت به هيئته بالتنسيق مع
ICAN، وIANA
، وأكد أنه سيطلب من كلا الهيئتين سحب جدول الأرقام والأحرف العربية الذي نشرتاه، ليكون نشر هذا الجدول من حق العرب فقط، احتراماً للغتهم ولسيادتهم عليها
مغزى القصة البولندية
لم نسرد هذه القصة إلا لنأخذ منها بعض العبرة، من ذلك أننا إذا لم نتحرك لخدمة لغتنا بأنفسنا وباستخدام معاييرنا التي تضمن مراعاة خصوصية لغتنا، تحرك غيرنا فقام بالعمل عنا، من دون أن يبالي هذا الغير بلغتنا ومعاييرها وخصوصيتها، لأن غيرنا أدرك قبلنا أن العالم يتجه نحو احترام خصوصية لغات الشعوب، والعبرة الثانية أن نظرية المؤامرة غير صحيحة دائماً، وما قامت به الهيئة البولندية لم يكن المقصود منه التآمر على لغتنا، بدليل أنها تراجعت واعتذرت عندما تحركنا

كيف نعرّب عناوين المواقع؟
التوصل إلى العنونة العربية لأسماء المواقع يمر عبر عدة مراحل مفصلية مهمة، أولها وضع المعايير اللغوية اللازمة لاستخدام اللغة العربية، وثانيها حل المشاكل التقنية الناتجة عن الميزات الخاصة للحرف العربي، وثالثها اعتماد نطاقات ترتبط بتحكم دولي، وأخرى بتحكم عربي، وربما دعت الحاجة أيضاً إلى نطاقات ترتبط بتحكم قطري، ورابعها أن يكون الحل المطروح شمولياً قابلاً للتطبيق على الشكبة العالمية في كل أنحاء العالم وليس في الشبكات المحلية فقط

حدث في دمشق
كان موضوع تعريب عنونة المواقع من أهم النقاط التي أخذت اهتمام المشاركين في المؤتمر التحضيري لقمة المعلومات الثانية في تونس، والذي عقد مؤخراً قي دمشق، وقامت بتنظيمه منظمة “الإيسكوا” بالتعاون مع وزارة الاتصالات والتقانة في سورية، وقد تمحورت جميع الآراء المطروحة حول هذا الموضوع حول اتجاهين
الاتجاه الأول
يرى أن التقنية يجب أن تكون في خدمة اللغة العربية، وأن الأصل أن نضع الحلول المناسبة والمتوافقة مع كل متطلبات لغتنا مهما كانت، ثم نضع بعد ذلك الحلول التقنية اللازمة، ولا نتخلى عن أي من متطلبات لغتنا إلا إذا كان تحقيقه غير ممكن تقنياً، ولتوضيح وجهة النظر هذه التقينا مع الأستاذ الدكتور “محمد يونس الحملاوي”، أستاذ علوم الحاسبات في جامعة الأزهر، والأمين العام للجمعية المصرية لتعريب العلوم، وطلبنا منه أن يعطينا موجزاً عن وجهة نظره في هذا الموضوع، فقال: “إن أي نظام لعنونة المواقع العربية يجب أن يدعم كل خصائص اللغة مثل التشكيل والشدة، لأن عدم استخدامهما سيؤدي إلى لبس في تسجيل الأسماء وربما ضياع حق بعض الناس في تسجيل أسمائهم، وأضرب مثلاً لذلك في كلمة (الجمال) التي يختلف معناها اختلافاً جذرياً إذا كانت الجيم مكسورة أو مفتوحة، وكلاهما يمكن أن يكون عنواناً لموقع على الشبكة العالمية، وكذلك أضرب مثلاً للشدة كلمة (عمان)، فهي بضم العين وتسهيل الميم تدل على سلطنة عمان، وهي بفتح العين وتشديد الميم عاصمة المملكة الأردنية، لذا فأرى أن استخدام الشدة والتشكيل أمران ضروريان للحفاظ خصائص لغتنا وعلى حقوق الناس في تسجيل الأسماء لتكون معبرة عما يريدون، وهذا ما حرصنا عليه حين صياغة الوثيقة المقترحة للمحارف العربية والتي قمت بالمشاركة في إعدادها من خلال ورشة مهندسي المعلومات العرب
وكان رأي الدكتور الحملاوي: “وهل التشكيل والشدة هما فقط القضيتان المميزتان لرؤيتكم في تعريب عنونة المواقع”، فأجاب: “هناك أمور أخرى، منها أن استخدام الفراغ أمر مهم جداً بالنسبة لكتابة العناوين العربية، وذلك لخصوصيات متعلقة بالحرف العربي، وهو أمر لا تسمح به حالياً عنونة إنترنت المطبقة عالمياً، ولكن لو أمكن حل هذا الموضوع تقنياً فسيكون ذلك في مصلحة العنونة العربية لأنه سيمكننا أن نعبر عن الأسماء العربية بطريقة مثالية، فمثلاً لو كان عندنا شركة اسمها “الإنشاءات العربية” وأردنا أن نحجز لها اسماً فأمامنا اليوم خيارين: الأول أن يكون المقطعان ملتصقين “الإنشاءاتالعربية” وهو مرفوض، والثاني أن نستعمل الشرطة أو الكشيدة بين المقطعين، نحو “الإنشاءات_العربية”، وهو أمر غير مستساغ وغير معتاد في الكتابة العربية، أما بوجود الفراغ فيمكن التعبير عن الاسم بطريقة عربية خالصة
الاتجاه الثاني
يرى أن تكون حلول العنونة العربية متوافقة للمعايير السائدة حالياً في العنونة من دون محاولة تغيير شيء فيها، واتباع القواعد ذاتها المتبعة في اللغة اللاتينية، من ناحية استخدام الشرطة والنقطة والكشيدة، وعدم استخدام الفراغ، لأن استخدامه لا يتوافق مع البنية الحالية للشبكة العالمية، وكذلك عدم استخدام التشكيل والشدة، وهذا الاتجاه عبرت عنه وثيقة تم تقديمها باسم “الإيسكوا” في مؤتمر دمشق المذكور
ويرى الدكتور عبد العزيز الزومان، مدير المركز السعودي لمعلومات الشبكة، وأحد المشاركين في وضع الحل الذي يمثل الاتجاه الثاني، أن استخدام التشكيل في حجز أسماء النطاقات العربية سيكون متعباً للمستخدم العربي ولن يكون عملياً، ولا نريد أن ينفر المستخدم العربي من اللغة العربية إذا أحس صعوبة في حجز الاسم بها
أما من جهة مسألة استخدام الفراغ بدلاً من الشرطة أو الكشيدة، يؤكد الدكتور الزومان أن ما طرحته الوثيقة التي شارك في إعدادها بعدم دعم استخدام الفراغ، يعود إلى عقبات تقنية تتعلق ببنية الشبكة العالمية، ولكن إن أمكن حل هذه المشكلات التقنية، فهو يؤيد أي حل يتوافق مع اللغة العربية ويجعل العناوين عربية خالصة ومن ذلك موضوع استخدام الفراغ. وهو يؤيد وبشدة مقولة “التقنية في خدمة اللغة”، ولا يعارض تغيير أية نقطة في الوثيقة التي شارك في وضعها إذا أمكن إيجاد حل تقني للبديل الأقرب للغة العربية

يقول الاستاذ خالد فتال الرئيس والمدير التنفيذي للائتلاف الدولي لأسماء النطاقات غير الإنجليزية : “أنا كرئيس لمنظمة (مينك) أدعم أي تحرك عربي هدفه توحيد الصف العربي كي يظهر الوجود العربي على الشبكة العالمية بالشكل الفعال والمطلوب، طالما أن هذا التحرك يدعم لغة وشعباً، وبتعبير آخر ندعم هذا التطوير إذا كان هدفه الشعب والأمة، أما إذا عملت كل حكومة عربية بشكل مستقل، ثم حاولت بعد ذلك التنسيق مع الدول الأخرى، فسيكون ذلك مدعاة للاختلاف والتفكك، أما إذا حدث تحرك عربي مشترك لدعم اللغة العربية، فسيبقى لكل دولة عربية وجود ضمن الوجود العربي الشامل، ولنصل إلى هذا الأمر أرى أنه يجب وضع ميثاق تلتزم بموجبه أية مؤسسة حكومية عربية أن يكون هدفها هو تطوير لغة الأمة وليس الدولة وما يجب أن يطبق في الدول العربية تقنياً وإشكالياً يجب أن يكون متطابقاً مع ما هو معتمد عليه ومطبق اليوم في اللغات الأخرى من حيث المقاييس المعترف بها، والتي تقوم عليها بنية الشبكة العالمية، وإلا فإن الوجود العربي على الشبكة سيكون برأيي استثنائياً ما يجعله غير قادر على أن يكون جزءاً من المجتمع الشبكي العالمي. وعلى كل من هو في موقف قرار من حكومات ومؤسسات عربية أن يكون متفهماً بشكل جيد لهذه الحقيقة وأن تكون القرارات المأخوذة على قدر من المسؤولية لأنها مسؤولية شعب وتاريخ ومستقبل “



أضف تعليق

يجب أن تكون مسجل لإضافة تعليق.